وفي الحديث الصحيح المتفق عليه:
( يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيُلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنه
فيدورُ بها كما يدورُ الحمارُ في الرحى, فيجتمع إليه أهلُ النار فيقولون:
يا فُلان ما لك ألم تكُن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟
فيقول: بلى, كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه )
وقد يكون من هو أسوأ منه, فيأمر بالمنكر وينهى عن المعروف
فكيف يكون حاله والعياذ بالله؟!
فتعلم العلم يكون لوجه الله والعمل به كذلك,
وإلا سيكون العلم وبالاً فيبقى المرء بين داءين, إما داء الجهل
وإما داء العلم غير النافع بل العلم الضار.
والعلم الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم -في ذاته نافع,
ولكن إذا لم يعمل به الإنسان صار وبالاً عليه وضارًا له,
{ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّـهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ
وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }
فاعملوا بالعلم, واعرفوا الله بأسمائه وصفاته من كتابه
ومن سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -,
واعبدوا الله بما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم –
وما نص عليه القرآن, فلا تعبدوا الله بجهل ولا بهوى وإنما بالعلم.
والمطلوب من تعلم العلم العمل به, والعمل لا يأتي إلا بعد العلم
كما قال الله –تبارك وتعالى-:
{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا اللَّـهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ }
وبوَّب عليها البخاري: بابٌ العلمُ قبل القول والعمل,
لأنه يجب علينا ألا نعمل إلا بالعلم ولا نعبد الله إلا به,
فلا نعبده سبحانه بالجهل أو الهوى.
فعلينا جميعًا أن نتعلم العلم الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم –
ونعمل به, فلا نرضى لأنفسنا الجهل فنكون من الضالين,
ولا نرضى لأنفسنا أن نكون من المغضوب عليهم,
فالمغضوب عليهم هم اليهود لأنه يعلمون الحق ويجحدونه
ويخالفونه ويعادون أهله, والضالون هم النصارى الذين يعبدون الله
على جهل, فيجب ألا نكون من المغضوب عليهم ولا الضالين,
ونعوذ بالله من هاتين الصفتين, ونسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم,
صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
قال المؤلف: ( كل من آثر الدنيا )
تكلم المؤلف رحمه الله هنا عن الدوافع التي تدفع الإنسان المتعلم
فمن ذلك: إيثار الدنيا, بمعنى ترجيحها على الآخرة, فيؤثرها
ويحتفي بها ويهتم بها ويجعل الآخرة خلف ظهره,
فهذا من الأسباب والدوافع إلى ترك العمل بالعلم وإلى محاربة الحق
[ كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها, فلابد أن يقول على الله غير الحق
في فتواه وحكمه, وفي خبره وإلزامه ]
يخالف الحق في كل هذه الأمور, وإذا فعل ذلك هلك والعياذ بالله,
فإذا أفتى قال غير الحق, لأنه آثر الدنيا على الآخرة,
فإما أن يرتشي أو يطلب بهذا الأمر الرياسة أو غيرها من المطامع الدنيوية
التي تدفعه إلى كراهية الحق ومخالفته والقول بغيره.
فإن أفتى أفتى بغير الحق, وإن حكم فكذلك, وإن أخبر يخبر عن الله كذبًا,
فإما أن يأتي بأحاديث موضوعة, أو يفتري على الله ويحرف آياته,
وهذا موجود كما هو الحال في أهل الرفض وأهل التصوف وأهل الكلام
ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام-:
( وإن هذه الأُمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين ملةً –يعني الأهواء-
كُلها في النار إلا واحدة )
يعني أنهم يقعون في هذه الأشياء.
فما الذي يجعله يصر على البدعة طول حياته ولا يرجع إلى الحق
إلا أنه اتبع هواه وآثر دنياه على أخراه وحرص على الرئاسة
وعلى حب المال, فيوقعه ذلك في هذه المهالك -والعياذ بالله-
يحمل وزره وأوزار من وراءه ومن تأسى به إلى يوم القيامة.
قال -عليه الصلاة والسلام-:
( من سن سُنةَ في الإسلام حسنةً فله أجرها وأجر من عمل بها
إلى يوم القيامة, ومن سن في الإسلام سُنةً سيئةَ
فعليه وزرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة )
فيحمل أوزاره وأوزار الذين يضلهم عياذًا بالله.
فلو ذهبنا إلى أهل الطرق ونظرنا كيف أنهم أهلكوا أنفسهم وأهلكوا الناس
بالعقائد الفاسدة والمناهج الضالة والأوراد الشركية والتعلق بالقبور,
فهؤلاء يقولون غير الحق ويتعمدون ذلك, وكثير منهم يعرف الحق
من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -,
ولكن حرصه على الدنيا وعلى المناصب والرئاسة وما شاكل ذلك
يجعله لا يتزحزح عن موقعه ومكانته التي أحله الشيطان فيها وزينها له,
يذكر ابن القيم رحمه الله سبب مخالفة العالم للحق في فتواه وحكمه
وخبره وإلزامه, فيقول: لأن أحكام الرب سبحانه كثيرًا ما تأتي على خلاف
أغراض الناس ولا سيما أهل الرياسة والذين يتبعون الشبهات
فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرًا.
لأن الجنة حفت بالمكاره, والنار حفت بالشهوات,
فكثير من الناس يميلون إلى الشهوات, والشهوات وحب الرياسات
تأتي منافية للحق مخالفة له, فحب الشهوات من الباطل والحرص
على الرئاسات والتفاني فيها باطل, فهناك معارضة ومصادمة
ويُلَبِّسُون على الناس, لأن باطلهم لا يمشي إلا إذا ألبسوه لباس الحق,
وهذا من صفات أعداء الله اليهود والنصارى,
ورؤساء النصارى في غاية الخبث, وقد يكون فيهم من هو أخبث
من اليهود, وقد يكون فيهم زنادقة
فتجردوا لله وتعلموا العلم لوجهه سبحانه وتعالى وأخلصوا له,
وآثروا الآخرة على الدنيا, وإلا يكون العلم حجة عليكم وسببًا في هلاككم.
ثم ساق المؤلف رحمه الله بعض الآيات في الذين لا يعملون بالعلم,
{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ }
فعندهم علم لأنهم ورثوا الكتاب عن أسلافهم, وأسلافهم كان فيهم
أهل فضل وخير, وفيهم من فيه فسق, ولكن هذا الخَلْف انحرف انحرافًا
كاملاً عما كان عليه أسلافه, فورثوا منهم الكتاب لكنهم لم يعملوا به.
ونحن ورثنا كتاب الله وسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم –
فعلينا أن نعمل بهما, لأن كثيرًا ممن ورثوا الكتاب تجدهم يتعلمون القرآن
ويتعلمون القراءات, وقد يكون تعلم الحديث وعلوم الحديث,
ولكن لا يعمل, ومثالاً على ذلك: ابن عربي الطائي كان مُحدثًا يعرف الحديث
وقال بوحدة الوجود والحلول والضلال والشرك والبلاء,
فهذا ورث الكتاب, ولكن مع الأسف وقع في الضلال والإلحاد
فالقرآن كفَّر من يدعو غير الله سواء كان المدعو نبيًّا مرسلاً أو ملكًا مُقرَّبًا
وجعله أضل الناس, وهذا يكذب على الله –تبارك وتعالى-
{ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا
وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ
أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ
وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }
الشاهد: أن أعراض الدنيا تأتيه فيترك الحق, ويقول غير الحق,
ويحكم بغير الحق, ويخبر بغير الحق, ليحصل على هذا العرض الدنيوي,
ويقول سيُغفر لي, وهو مُصرٌّ على الباطل, ويجيئه عرض آخر
فيتكالب عليه ويقول سيُغفر لي, وهذا من الأماني الباطلة.
فالله عز وجل يقبل التوبة من العبد إذا أذنب وتاب,
ولكن هؤلاء ليس عندهم توبة صادقة, وإنما أماني كاذبة,
وهذا حال الذين ورثوا الكتاب ولم يعملوا به, ويقولون غير الحق
ويؤثرون الدنيا على الآخرة, هذا حالهم وهذا وصفهم,
ولهم أوصاف أخرى في كتاب الله وفي سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
نسأل الله أن يجعلنا ممن يعلم ويعمل, وأن يجنبنا حب الدنيا
وحب الشهوات والرئاسات فإنها مهلكة نسأل الله أن يجنبنا هذه المهالك,
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
