من كتاب الفوائد لأبن القيم يرحمه الله
مبني الشكر على قاعدتين الذكر والشكر
مبني الدين على قاعدتين: الذكر والشكر ,
{ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
( والله اني لأحبك فلا تنسى أن تقول دبر كل صلاة
اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )
أخرجه أبو داود في الصلاة 2\86 رقم (1522), والنسائي وأحمد.
وليس المراد بالذكر مجردالذكر اللسان
بل الذكر القلبي واللساني. وذكره يتضمن ذكر اسمائه وصفاته وذكر أمره
ونهيه وذكر كلامه, وذلك يستلزم معرفته والايمان به وبصفاته كمال
ونعوت جلاله والثناء عليه بأنواع المدح. وذلك لا يتم الا بتوحيده. فذكره
الحقيقي يستلزم ذلك كله ويستلزم ذكر نعمه وآلائه واحسانه الى خلقه .
القيام له بطاعته والتقرب اليه بأنواع المحبة ظاهراً و باطناً , و هذان
الأمران هما جماع الدين , فذكره مستلزم لمعرفته, و شكره متضمن
لطاعته , و هذان هما الغاية التي خلق لأجلها الجن و الانس و السموات
و الأرض , و وضع لأجلها الثواب و العقاب, و أنزل الكتاب , و أرسل
الرسل , و هي الحق الذي به خلقت السموات و الأرض و ما بينهما ,
و ضدها هو الباطل و العبث الذي يتعالى و يتقدس عنه , و هو ظن أعدائه به .
{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا }
{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلا بِالْحَقِّ }
{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ }
وقال بعد ذكر آياته في أول سورة يونس :
{ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ }
{ أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى }
{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ }
{ وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } }
{ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا }
{ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ
وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }
فثبت بما ذكره أن غاية الخلق والأمر* أن يذكر وأن يشكر. يذكر فلا
ينسى, ويشكر فلا يكفر. وهو سبحانه ذاكر لمن ذكره, شاكر لمن شكره,
فذكره سبب لذكره, وشكره سبب لزيادته من فضله ..
{ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ }
وصدق الله في خبره فله الخلق والأمر, خلقهم وأمرهم بما أحب, وهذا
الأمر يقتضي النهي. تفسير القرطبي 7\142.
و الشكر للقلب محبة وانابة, و للسان ثناء و حمد, و للجوارح طاعةو خدمة .
من سار نحو الهداية يسر الله له سبلها
تكرر في القرآن جعل الأعمال القائمة بالقلب والجوارج سبب الهداية
والاضلال, فيقوم القلب والجوارح أعمال تقتضي الهدى اقتضاء السبب
لمسببه والمؤثرة أثره. وكذلك الضلال, فأعمال البر تثمر الهدى, وكلما
ازداد منها ازداد هدى. وأعمال الفجور بالضد, وذلك أن الله سبحانه يحب
أعمال البر فيجازي عليها بالهدى والفلاح, ويبغض أعمال الفجور
ويجازي عليها بالضلال والشقاء ..وأيضا فانه البر ويحب أهل البر فيقرب
قلوبهم منه بحسب ما قاموا به من البر, ويبغض الفجور وأهله فيبعد
قلوبهم منه بحسب ما اتصفوا به من الفجور, فمن الأصل الأول
{ الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين }
أنه يهدي من اتقى مساخطه قبل نزول الكتاب , فان الناس على اختلاف
مللهم ونحلهم قد استقر عندهم أن الله سبحانه يكره الظلم والفواحش
والفساد في الأرض ويمقت فاعل ذلك, ويحب العدل والاحسان والجود
والصدق والاصلاح في الأرض , و يحب فاعل ذلك . فلما نزل الكتاب ,
أثاب سبحانه أهل البر بأن وفقهم للايمان به جزاء لهم على برهم
وطاعتهم , و خذل أهل الفجور والفحش والظلم بأن حال بينهم وبين الاهتداء به ..
أن العبد آمن بالكتاب واهتدى به مجملا وقبل أوامره وصدق بأخباره,
وكان ذلك سببا لهداية أخرى تحصل له على التفصيل . فان الهداية
لا نهاية لها ولو بلغ العبد فيها ما بلغ , ففوق هدايته هداية أخرى
وفوق تلك الهداية هداية أخرى الى غير غاية. فكلما اتقى العبد ربه
ارتقى الى هداية أخرى , فهو من مزيد هداية ما دام في مزيد من التقوى .
و كلما فوّت حظا من التقوى فاته حظ من الهداية بحسبه , فكلما اتقى
زاد هداه, وكلما اهتدى زادت تقواه .
{ قَدْ جَآءَكُمْ مّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مّبِينٌ *
يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىَ صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ }
{ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ }
{ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى }
{ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ }
{ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات يَهْدِيهِمْ رَبّهمْ بِإِيمَانِهِمْ }
فهداهم أولا للايمان, فلما آمنوا هداهم للايمان هداية بعد هداية,
{ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى }
{ يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً }
ومن الفرقان ما يعطيهم من النور الذي يفرقون به بين الحق والباطل,
والنصر والعز الذي يتمكنون به من اقامة الحق وكسر الباطل, فسر
{ ان في ذلك لآية لكل عبد منيب}
{ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ }
31 من سورة لقمان, والأية 5من سورة ابراهيم, والآية
19 من سورة سبأ و33من سورة الشورى ..
فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها انما ينتفع بها أهل الصبر الشكر ,
كما أخبر عن آياته الايمانية القرآنية أنها انما ينتفع بها أهل التقوى
و الخشية و الانابة و من كان قصده اتباع رضوانه , و أنها انما يتذكر
{ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى }
{ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا }
و أما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية
و لا القرآنية . ولهذا ذكر الله سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم
المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي ,
{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ }
فأخبر أن في عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة .
وأما من لا يؤمن بها ولا يخاف عذابها فلا يكون ذلك عبرة وآية في حقه,
واذا سمع ذلك قال : لم يزل في الدهر الخير و الشر , و النعيم والبؤس ,
و السعادة والشقاوة. و ربما أحال ذلك على أسباب فلكية وقوى نفسانية .
وانما كان الصبر و الشكر سببا لانتفاع صاحبهما بالآيات , لأن الايمان
يبني على الصبر و الشكر , فنصفه صبر و نصفه شكر , فعلى حسب صبر
العبد وشكره تكون قوة ايمانه . و آيات الله انما ينتفع بها من آمن بالله
و آياته , و لا يتم له الايمان الا بالصبر و الشكر , فان رأس الشكر
التوحيد , ورأس الصبر ترك اجابة داعي الهوى . فاذا كان مشركا متبعا
هواه لم يكن صابرا ولا شكورا, فلا تكون الآيات نافعة له
وهواقتضاء الفجور والكبر والكذب للضلال فكثير أيضا للقرآن
{ يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ *
الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ
وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }
{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ }
{ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا }
{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ }
{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ }
فأخبر أنه عاقبهم على تخلفهم عن الايمان لما جاءهم وعرفوه وأعرضوا
عنه بأن قلب أفئدتهم و أبصارهم وحال بينهم وبين الايمان,
{ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ }
فأمرهم بالاستجابة له ولرسوله حين يدعوهم الى ما فيه حياتهم, ثم
حذّرهم من التخلف والتأخر عن الاستجابة الذي يكون سببا لأن يحول
{ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }
{ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ }
فأخبر سبحانه أن كسبهم غطى على قلوبهم وحال بينها وبين الايمان بآياته ,
{ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ }
فجازاهم على نسيانهم له أن نسيهم فلم يذكرهم بالهدى والرحمة, وأخبر
أنه أنساهم أنفسهم فلم يطلبوا كمالها بالعلم النافع و العمل الصالح و هما
الهدى ودين الحق , فأنساهم طلب ذلك ومحبته و معرفته والحرص عليه
{ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16)
وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ }
فجمع لهم بين اتباع الهوى و الضلال الذي هو ثمرته وموجبه
كما جمع للمهتدين بين التقوى و الهدى .