من تفسير الدكتور راتب النابلسي (8)
هذه الآية أصلٌ في أصول التربية:
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (32) }
علماء العقيدة يقولون: إن القرآن نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء
الدنيا، نَزَلَ، ونُزِّل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام مُنَجَّمَاً في ثلاثة
وعشرين عاماً، الفرق بين نَزَلَ ونَزَّل كالفرق بين كَسَرَ وكَسَّرَ، وقَطَعَ
وقَطَّعَ، قَطَعَ الشيء قَطَعَهُ مرَّةً واحدة، أما قَطَّعه أي بالغ في تقطيعه قطعاً
صغيرة، كَسَرَ الإناء شيء، وكَسَّرَهُ شيءٌ آخر، نَزَلَ القرآن جملةً واحدة
من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثمَّ تَنَزَّلَ على قلب النبي
عليه الصلاة والسلام مُنَجَّماً في ثلاثة وعشرين عاماً:
{ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً (32) }
فالذي وقع هو الخير المطلق، والحكمة المطلقة، إذاً لا يعترض على فعل
الله إلا أحمق، لا يعترض على فعل الله إلا جاهل، لا يعترض
على فعل الله إلا غبي، قال عليه الصلاة والسلام:
( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ
مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ )
[ مسند أحمد عن أبي الدرداء ]
لأن الأمور تجري بتقدير عزيزٍ عليم حكيمٍ خبير
أنت مُمْتَحَن في كل يوم آلاف الامتحانات، تقع أمام مشكلة، إما أن تنتصر
لما يأمرك به العقل من الحق، وإما أن تنتصر لما يأمرك به الهوى من
الشهوة، قد تقف في موقفٍ صعبٍ، شيءٌ يغري فتهوي، وشيءٌ يرفعك
في نظر الله عزَّ وجل، فإما أن يسقط الإنسان في حَمْأَةِ المادَّة، وإما أن
يرقى في سُلَّم الرفعة إلى الله عزَّ وجل، أنت كل يومٍ ممْتَحَنْ، في كسب
المال ممتحن، في إنفاق المال ممتحن، في علاقتك بالمرأة ممتحن،
في علاقتك بجيرانك ممتحن، في علاقتك بزوجتك ممتحن،
في علاقتك بأمِّك ممتحن، أبداً.
{ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (43) }