
اليوم, 04:06 PM
|
|
Senior Member
|
|
تاريخ التسجيل: May 2015
المشاركات: 63,935
|
|
المفتاح الذي فتح لي عالمًا كاملاً لم أكن أراه
من: الأخت / أم لـؤي
المفتاح الذي فتح لي عالمًا كاملاً لم أكن أراه
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ۚ
قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
[سورة البقرة: 142]
.. كلمة واحدة في هذه الآية، كلمة (السُّفَهَاءُ).. كانت هي المفتاح الذي فتح لي عالمًا كاملاً لم أكن أراه..
. توقفتُ أمامها اليوم، متسائلاً: لماذا اختار الله هذا الوصف بالتحديد؟ ولم يقل "الكفار" أو "المعاندون" أو "الجهلاء"؟
. وحين غصتُ في بحر اللغة وتفاسير الأوائل، أدركتُ أنني أمام تشخيص نفسي
وعقلي مذهل يتجاوز حدود التاريخ ليلامس واقعنا اليومي.
. فالسفه في أصل اللغة هو "الخفة"، خفة العقل واضطراب الرأي مع فساد التقدير،
كالثوب الرديء النسج الذي تلاعبه الريح، وهذا هو مكمن الداء؛
. فالذين اعترضوا على تحويل القبلة لم تكن مشكلتهم في نقص المعلومات، بل في سوء تقديرهم و"خفة"
موازينهم التي جعلتهم يتعلقون بالقشور والأحجار والجهات، ويغفلون عن جوهر الأمر الإلهي، لقد كانت صدمة وعيي الأولى هنا:
أن العقل الذي لا يرسخ في وحي الله هو عقل "خفيف"، ريشة في مهب الشبهات، مهما بلغت درجة ذكائه الدنيوي.
.. ومن هنا، انفتحت بصيرتي على اللطيفة القرآنية الإعجازية في حرف (السين) في قوله تعالى "سَيَقُولُ".
. هذا الحرف الذي لا يعدو كونه رسمًا صغيرًا، يحمل في طياته معجزة غيبية ونفسية تزلزل الكيان،
فالله سبحانه يسوق هذا الخبر للنبي ﷺ وللمؤمنين قبل وقوع الحدث..
. إنه "لقاح" مناعي سابق للإصابة، يخبرهم بما سيقوله الخصوم قبل أن يحركوا شفاههم.
. وتخيل معي مشاعر النبي ﷺ وهو يسمع اعتراضات اليهود والمنافقين بعد نزول الآية، هل حزن؟ هل ضاق صدره؟
. حاشاه..
. بل تحولت كلماتهم السامة إلى دليل صدقٍ لنبوته، فكلما نطقوا باعتراض،
كان صدى الوحي يتردد في قلبه: "صدق ربي، ها هم يقولون ما أخبرني به".
. لقد حول القرآن سلاح العدو إلى أداة لتثبيت المؤمنين، وهذه - فيما بدا لي -
هي قمة البلاغة الإقناعية والتربية الإلهية، أن تسبق الشبهة بالجواب، وأن تعري "السفيه"
قبل أن يتكلم، فيسقط كلامه من عين العقلاء قبل أن يصل إلى آذانهم.
.. ثم تأملتُ في سؤالهم المتعجب: "مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟"، سؤال يكشف عن عقلية جامدة،
عقلية تقدس "العادة" و"المألوف" و"المكان"، وتغفل عن "الآمر" سبحانه.
. لقد كان اليهود يظنون أن القداسة تسكن في صخور بيت المقدس ذاتها،
وكان العرب يرون القداسة في أحجار الكعبة ذاتها، فجاء هذا التحويل لزلزلة هذا الخلل العقدي الدقيق في النفوس،
ولإعلان الحقيقة الكبرى التي غابت عني طويلاً:
الجهات كلها لله سواء، لا فضل لمشرق على مغرب، ولا لشمال على جنوب إلا بـ "أمر الله".
. القبلة ليست جغرافيا مقدسة بذاتها، بل هي "طاعة متجسدة"، نحن لا نعبد الكعبة،
ولا نعبد الصخرة، نحن نعبد الله بالتوجه حيث أمر، فإذا أمرنا شطر الشام توجهنا،
وإذا أمرنا شطر مكة تحولنا، ولو أمرنا لجهة ثالثة لسمعنا وأطعنا.
. هنا يكمن جوهر العبودية الخالصة؛ التحرر من سطوة المكان لصالح الانقياد لرب المكان،
أليس هذا ما نحتاجه اليوم لكسر عاداتنا التي نظنها دينًا وهي مجرد "ما كنا عليه"؟
.. وكانت الإجابة الربانية قاصمة، حاسمة، ومقتضبة في غاية البلاغة: "قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ".
. لم يدخل معهم في جدل تاريخي حول أقدمية الكعبة أو فضل إبراهيم عليه السلام في هذا الموضع
-مع أنه حق- بل نقلهم نقلة نوعية من "الجزئيات" إلى "الكليات"، ومن "الفروع" إلى "الأصول".
.. إنها حجة الملكية المطلقة؛ المالك للأرض كلها لا يُسأل لماذا يخصص بقعة منها لتعظيمه،
فله المشرق (مطلع الأنوار) وله المغرب (مغيبها)، وهو المالك للجهات والأبعاد، ومن يملك الكل،
يملك التصرف في الجزء.
. انظر كيف يبني القرآن الحجة، إنه لا يغرق في التفاصيل الصغيرة التي يثيرها "السفهاء"،
بل ينسف الأصل الفاسد الذي بنوا عليه شبهتهم، وهو ظنهم أن الله محصور أو مقيد بجهة معينة،
أو أن الجهة تكتسب شرفها من ذاتها.
. فالله أكبر من الجهات، وأعظم من أن يحده مكان، ولكنه يختار من الأمكنة والأزمنة ما يشاء ليمتحن طاعة العباد.
.. واستوقفني بشدة التذييل البديع للآية: "يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".
. لماذا الحديث عن الهداية هنا؟ وما علاقتها بتغيير الاتجاه الجغرافي؟
. إن الثبات عند تحول القبلة، وعند تغير الأحكام، وعند صدمة المفاجأة، هو الهداية الحقيقية.
. الهداية ليست مجرد معرفة الطريق، بل هي "المرونة" في الانقياد للحق أينما دار، السفيه هو الذي يتصلب عند "ما وجدنا عليه آباءنا"،
بينما المهتدي هو الذي يدور مع أمر الله كدوران الإبرة المغناطيسية، لا تملك الإبرة من أمرها شيئًا إلا الاستجابة لقوة الجذب،
وكذلك قلب المؤمن، لا يملك إلا الاستجابة لأمر ربه.
|