عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 11-24-2012, 05:04 PM
vip_vip vip_vip غير متواجد حالياً
Moderator
 
تاريخ التسجيل: May 2010
الدولة: egypt
المشاركات: 5,722
إرسال رسالة عبر Yahoo إلى vip_vip
افتراضي مع النعم فى سورة النحل (1)

مع النعم فى سورة النحل (1)


وسورة النحل من السور التي عددت نعم الله تعالى وفصلتها ولفتت القراء إليها،
وبينت أوجه الانتفاع بها، ودعت العباد لشكرها، حتى سماها بعض السلف (سورة النعم)
لما عدد الله تعالى فيها من النعم على عباده، فحري بمن قرأها بتدبر
أن يعرف نعم الله تعالى عليه فيشكره عليها.


وأول النعم وأعظمها وأهمها وأولاها: نعمة الهداية إلى الله تعالى،
والعلم به سبحانه وبما يرضيه، وهي أول نعمة ذكرت في السورة،
ودعي قارئها إليها، وتكررت في تضاعيفها لأهميتها

{ يُنَزِّلُ المَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ }

[النحل:2]
وفي خاتمة ربعها الأول تذكير بحملة الوحي ومبلغيه للناس؛ لاتباعهم فيه،
وبيان دعوتهم التي دعوا إليها

{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ }

[النحل:36]
والرسول صلى الله عليه وسلم هو حامل القرآن ومبلغه، والعلماء هم حملة العلم من بعده ومبلغوه للناس؛
ليتتابع العلم بالله تعالى وبما يرضيه بين البشر جيلا بعد جيل إلى آخر الزمان،
وهو ما نوهت به السورة في ثلثها الأول

{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ *
بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }

[النحل:44]،

ثم أكدته في وسطها مع بيان أنه هدى ورحمة، وفَصْل في المسائل الكبرى التي اختلف فيها البشر

{ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

[النحل:64]

وأكدت عليه أيضا في ثلثها الأخير

{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }

[النحل:89]
وبينت أنه سبب للثبات على الحق

{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }

[النحل:102]
فما أحوج المسلمين اليوم والفتن تحيط بهم من كل جانب إلى ملازمة القرآن تلاوة
وفهما وتدبرا وعملا لتثبيت القلوب والربط عليها،
وفي خاتمة السورة أمر باقتفاء أثر الخليل عليه السلام؛
لأنه رمز في الثبات على الحق، والدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه

{ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ }

[النحل:123]
هذا التكرار لنعمة الهداية وبيان مصادرها يحتم على المؤمن العناية بها
على قدر عناية القرآن بها، وتكرير السورة لها.


وهذه النعمة هي أهم من نعمة خلق الإنسان؛ لأن خلقه سبب لابتلائه،
فإن لم يهتد كان عدمه خيرا من وجوده،

{ وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا }

[النَّبأ:40]
وما تمنى العدم إلا لما يرى من خسارته وشقائه.


ونعمة الخلق في سورة النحل جاءت تالية لنعمة الهداية

{ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ }

[النحل:4].
ومن تمام نعمته سبحانه عليه في خلقه أنه ركب فيه أدوات تحصيل العلم؛
لينتفع بها في علوم دينه ودنياه، وهي نعم عدة تحتاج إلى شكر كثير

{ وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

[النحل:78].


والعيش في الدنيا، وعمارة الأرض له ضرورات، لا يستغني عنها الإنسان،
وهي المآكل والمشارب والمراكب والمساكن، وكلها مذكورة في هذه السورة،
ففي المآكل والمشارب

{ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ *
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ }

[النحل:10-11]

وفي مقام آخر

{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ
مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ *
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا }

[النحل:66-67].


وفي نعمة الملابس
{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ }

[النحل:81]
وتلك ملابس الحر وملابس الحرب، وأما ملابس البرد ففي قوله تعالى

{ وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ }

[النحل:5].
وأعقب نعمة الدفء بها نعما عدة وهي: ركوبها، وحمل المتاع عليها،
والتجمل بها، واتخاذها زينة

{ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ *
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ *
وَالخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ }

[النحل:8]
لينتظم في هذه الجملة ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
كل ما يركبه الناس ويتزينون به مما يستجد لهم إلى آخر الزمان.


وأما المساكن والأثاث من فرش وأغطية وأوان وغيرها ففي قوله سبحانه

{ وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا
يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ *
وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبَالِ أَكْنَانًا }

[النحل:80-81].


ويجمع ذلك كله، مع ما في الأرض مما ينفع الناس،
وما يستخرجونه من باطنها قوله سبحانه:

{ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ }

[النحل:13].


واستقرار الأرض ضرورة لعيش الإنسان فيها، وزراعتها وعمرانها،
وشق طرقها، والسير فيها، فذللها الله تعالى للإنسان، ووفر له ما يحتاج إليه فيها

{ وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ *
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }

[النحل:15-16].


ولا تقتصر سورة النحل على ذكر ما في الأرض من نعم فقط،
بل تتجاوزه إلى ما في البحر من خيرات الله تعالى

{ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً
تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }

[النحل:14].


وتتجاوز سورة النحل ما في البر والبحر من نعم لتحلق بقارئها في الفضاء
تذكره بما بثه الله تعالى فيه من نعم سخرها لهذا الإنسان الضعيف،
من أجل أن يقيم دين الله تعالى في الأرض، وأن يشكر الله تعالى على نعمه

{ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }

[النحل:12].


ودواء الأمراض لم تغفله السورة التي سميت بالمخلوق الذي ينتجه

{ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ *
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا
شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ }

[النحل:68-69].


ونعمة التزاوج والإنسال، والفرح بالأولاد والأحفاد؛ أتت السورة على ذكرها،
ومنة الله تعالى على الإنسان بها

{ وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ }

[النحل:72].


فيا لها من سورة ما أعظمها! ومن نعم ما أكثرها وما أجلها!
فمن منا يلهج بشكر الله تعالى عليها، ويتبع القول عملا، بلزوم الطاعات،
ومجافاة المحرمات؟! نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الشاكرين، وأن يجنبنا سبل الجاحدين؛
فإن الله تعالى وصفهم في السورة نفسها بقوله

{ أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ }

[النحل:71]

وبعدها بآية وصفهم بقوله عز وجل

{ أَفَبِالبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ }

[النحل:72] نعوذ بالله تعالى من حالهم وأفعالهم ومآلهم.



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

رد مع اقتباس